أي كاتب ومفكر حر يعطى الحرية في أن يكتب لا يستطيع أن يحرر الأخرين في ظل أمية فكرية وعدم إقبال على االقراءة وفي ظل أمية ثقافية أيضاً


  هذا الموقع فضاء رحب يتسع لكل الإبداع

نحاول من خلاله المساهمة في إثراء المشهد الثقافي والإعلامي على شبكة المعلومات ‘ وأنا أقدم جزيل شكري لكل من تكرم وزار هذا الموقع

الكاتب الصحفي والإعلامي الليبي : عبدالرحمن سلامة

حوار مع إبراهيم نصر الله

كتبهاعبدالرحمن سلامة ، في 28 أكتوبر 2007 الساعة: 22:48 م

حوار مع إبراهيم نصر الله

إمدادات هذا الكاتب  نـوارة لحرش
28 أكتوبر 2007

الروائي و الشاعر الفلسطيني إبراهيم نصر الله :


(
باستطاعة الملهاة أن تستوعب المأساة داخلها وتظل الحياة مستمرة.)


( لا توجد كتابة خارج الحياة )

 

إبراهيم نصر الله شاعر و روائي فلسطيني / أردني معروف و مهم وفاعل في الأدب العربي الروائي والشعري على حد سواء ، ربما هو لا يحتاج إلى تقديم ،لأن كلّ أعماله كفيلة بتقديمه كما يجب و أكثر ، في هذا الحوار يتحدث الكاتب المتميز عن روايات الملهاة التي بدأها كمشروع لا حـدّ لسمائه ،وعن روايته ( براريالحمى) التي صنفها النقد العربي كرواية حديثة وصنفها النقد الغربي كرواية ما بعد حداثية ، كما تحدث أيضا عن رواية ( مجرد 2 فقط) التي ترجمت إلى أكثر من لغة والتي تم تحويها مؤخرا إلى عمل مسرحي بمسرح إيطاليا ،وعن روايته الجديدة (زمن الخيول البيضاء) التي ستصدر في أكتوبر . كما تحدث عن مشروعه الآخر رواية الشرفات معتبرا أياه خروجا على كل الأشكال التقليدية الحداثية وما بعد الحداثية، أيضا تحدث  عن الشعر وعن النقد والترجمة وعن الكتابة التي أفضل ما يحدث فيها أن الأمور لا تسير حسبما نخطط لها . نكتشف كل هذا و أكثر في هذا الحوار الذي كما قال : كان مرتاحا له وفيه .

 

حـاورتـه / نـوّارة لـحـرش

 

 

(كل الجمل المفيدة فارغة إذا ما كانت منقطعة عن تحققها في البشر)

 

** : (براري الحمى) صنفها النقد العربي كرواية حديثة وصنفها النقد الغربي كرواية ما بعد حداثية. أنت ما رأيك في التصنيفين و أيهما أحببت أكثر ؟

 

** إبراهيم نصر الله : أنت تعرفين، آخر ما يفكر فيه الكاتب هو تصنيف روايته، بالنسبة لي كنت كتبت الرواية كما أفهم الرواية، واخترت الشكل المناسب لتلك الحالة التي تتحدث عنها الرواية، أما بعد ذلك فيغدو النص جزءا من ذاكرة النقد والقارئ، أو لا يصبح. ما يهمني في براري الحمى قدرتها على أن تعيش، فبعد ربع قرن من كتابتها لم تزل تشغل النقاد في العالم العربي وفي اللغات التي تترجم إليها، كما أنها تنافس على جوائز عالمية روايات كتبت من عام أو عامين. بمعنى أنها رواية أختُبِرَت بالزمن، ولم تزل حية وفاعلة. وهذا هو المهم بالنسبة لأي كاتب. فأسوأ ما يحدث أن يموت النص بعد مولده مباشرة.

 

** : هذا يعني أن روايتك عابرة للزمن، فاعلة في الأزمة والأمكنة، فاعلة في لغتها الأم وفي اللغات المترجمة إليها وهذه قيمة / وسمة الأدب الحق؟

 

** إبراهيم نصر الله : هذا ما لمسته حتى الآن، لكن الأمر نسبي، من يعرف إن كانت ستعيش عشر سنوات أخر أو خمسين؟ المهم في الأمر أن يملك أي عمل نكتبه مساحة ما في قلب القارئ، سواء أكان هذا القارئ ناقدا محترفا أو قارئا بسيطا. لأن النص الذي لا يجد هذه المساحة يولد في الصحراء ويموت في الصحراء.

 

** : اتجهت منذ سنوات إلى كتابة روايات الملهاة الفلسطينية، ما الذي يمكن أن تقوله في هذا التصنيف (روايات الملهاة)؟ و أيضا أليست الملهاة هي أبجدية متأصلة من أبجدية المأساة؟

 

** إبراهيم نصر الله : كنت أفكر حين شرعت عام 1985 بالإعداد والعمل، أنني سأكتب رواية فلسطينية ضخمة، عن روح الفترة من عام 1917 حتى عام النكبة، ولم يكن في ذهني أن أنجز مشروعا روائيا مكونا من عدة روايات، لكن أفضل ما يحدث في الكتابة أن الأمور لا تسير حسبما نخطط لها، وهكذا بدأ مشروع الملهاة بالتبلور، فصدر منه خمس روايات قبل أن أكتب الرواية التي كان من المفترض أن تكون الرواية الأولى. وفي ظني أن هذا المشروع كان بحاجة لهذه الرواية بالذات، لأنها الأساس والعمود الفقري للمشروع كله، ولكن بدل أن أبدأ من عام 1917 بدأت من نهايات القرن التاسع عشر وهذا أتاح لي بذلك أن أطل على روح الشعب الفلسطيني منذ ذلك الزمان وأتأملها أكثر فأكثر.

اخترت فكرة الملهاة لأن المأساة محكومة بنهايتها المروعة، ولذا أحسست أن كلمة الملهاة هي الأدق هنا، وحين رجعت إلى ظلالها القاموسية تبين لي أنها الاختيار الأدق. فهنا في هذه الروايات، نموت ونحيا، ونعشق ونُهجَر، ونضحك ونبكي، بمعنى أننا نعيش، ونتطلع إلى أن نبقى في جوهر الحياة لا خارجها. المأساة هي خروج من كل شيء، أما هنا فالأمر مختلف. إذ باستطاعة الملهاة أن تستوعب المأساة داخلها وتظل الحياة مستمرة.

 

** : هل يعني هذا أننا في الملهاة نعيش ونبقى على قيد كل الممكنات، لكن بالموازاة في المأساة لا نعيش ونبقى خارج كل الممكنات ؟

 

** إبراهيم نصر الله : أظن أننا في المأساة ننتهي، وفي الملهاة نتوالد، وهذا هو الفرق الكبير. في المأساة، كاصطلاح هناك الصراع بين أناس عظام يشبهون الآلهة أو أنصاف آلهة، ولذا لا يكون هناك سوى الموت في النهاية، أي أن المأساة محكومة بالحائط الذي يسد الطريق، أما الملهاة فهي صراع البشر، والغلبة لا تكون لمن تقف الآلهة القديمة معهم، بل لمن يستطيعون القبض على مصيرهم كما يقبضون على الجمرة، والرواية بشكل عام ولدت لتلبي نداءات وأشواق البشر لا رغبات الآلهة.  

 

** : هل الملهاة دوما تفضي إلى مأساة يقينية وحقيقية، أم تبقى أحيانا ملهاة وكفى؟

 

** إبراهيم نصر الله : لا شيء يفضي إلى اليقين، لكن سعينا البشري هو محاولتنا المستمرة ألا ننتهي، أو ألا ننهزم إلى الأبد، المشروع برمته سعي لكي أقول إننا لم نزل على قيد الحياة، مثل أي شعب آخر في هذه الأرض، ورغم كل ما يحيط بنا. بقاؤنا إذن حتى الآن هو الحقيقة واليقين.

 

** : مشروعك الروائي (الشرفات) ،هل هو ربيب مشروعك الآخر الملهاة ؟

 

** إبراهيم نصر الله : مشروع (الشرفات) هو مشروع مغاير تماما لمشروع الملهاة الفلسطينية، وكنت أفكر بكتابته بعد أن أكمل رواية (زمن الخيول البيضاء) التي ستصدر في أكتوبر، لكن الرواية الأولى (شرفة الهذيان) لم تنتظر، وهكذا ولدت، كان مشروع الشرفات حسبما خططت له هو خروجي على كل الأشكال التقليدية الحداثية وما بعد الحداثية، وقد أحدثت الرواية صدى كبيرا، يشبه ما فعلته براري الحمى قبل ربع قرن. في المستقبل أفكر بكتابة روايتين، وربما أكثر، من يعرف، ضمن هذا المشروع، لكل رواية أجواؤها واستقلالها الخاص بها، كروايات الملهاة، وإذا ما كان هنالك وصف لمشروع الشرفات فهو التمرد على كل شيء كتبته قبلها، هو سخرية من فن الرواية بتقديم رواية مختلفة تماما، دون أن يعني ذلك الانقطاع التام عن جوهر مشروعي الروائي. لأنني حاولت أن أقدم في كل رواية شيئا مختلفا، وما حدث مثلا في (زمن الخيول البيضاء) لم يكن قد حدث قبلها على صعيد الشكل الروائي.

 

**: كل كاتب تقريبا يقول أكتب لنفسي أولا وللقارئ ثانيا، لكنك أنت تقول:” أكتب ضد القارئ وضد نفسي أيضا”، هل هذه قناعة خالصة، هل هي نابعة عن يقين ما أو شك ما؟ هل الكتابة / الضد هي الرسالة الحق أو الفكرة الحق، أو الفن الحق؟

 

** إبراهيم نصر الله : لا أطمئن لشيء، حتى لنفسي، ففي النهاية أنا إنسان، وهذا الكائن البشري فيه كل شيء، أو كما قلت في قصيدة أخيرة لي عنوانها (الإنسان):

الأرضُ والسماءُ فيهِ

النّمرُ والغزالةُ

الذّئبُ والحَمَلُ فيه

النهرُ والصحراءُ

البحرُ والعاصفةُ فيهِ

الشجرةُ والعصفورُ

المرأةُ والرجلُ فيهِ

الربيعُ، الصيفُ، الخريفُ، والشتاءُ فيهِ

ولكنه لم يزل بَعْد في الخارج!!

… …

كل ما أفعله إذن أنني أحاول أن أكون في الداخل، وهذا يقتضي أن أكون ضد أي جزء مني متمسك في الخارج، وضد أي قارئ يواصل الدوران حول نفسه واهماً أنه في داخل نفسه.

 

** : ماذا تقترح من خلال رواياتك للحياة وللناس وللمستقبل، وهل يمكن أن تكون الروايات /أو للروايات اقتراحات؟

 

** إبراهيم نصر الله : الروايات والشعر لا يمكن أن تكون خطة عمل، إنها رؤاي الخاصة التي آمل أن يلتقي معها وفيها أكبر عدد ممكن من البشر، ثم أن من العبث اختصار كل ما كتبته في جملة تدَّعي أنها مفيدة. كل الجمل المفيدة فارغة إذا ما كانت منقطعة عن تحققها في البشر، فالشرف لا يعني شيئا إلا حين نكون شرفاء، وكذلك الشجاعة والحبّ، ما الذي يمكن أن يعنيه معنى كلمة (حبّ) فعلا، لشخص لم يحب أبدا. وكذلك الروايات والقصائد التي نكتب، لا تكون روايات وقصائد إلا لمن يعيشها، وحين يعيشها سيشتق أشياء أكثر اتساعا، ربما، من الروايات نفسها.

 

** : قلت في إحدى المرات:” الحداثة تحولت إلى تقليدية جديدة” لماذا برأيك تحولت إلى هذا، أو لماذا آلت إلى هكذا مسار؟

 

** إبراهيم نصر الله : من الطبيعي أن يتحول أي اتجاه إلى كلاسيكية جديدة، حين يستقر، وهذا أمر جيد، ولكن السيئ أن يتحول إلى تقليدية، أي إلى ثبات، وهذا ما يحدث في المراوحة الفارغة لآلاف النصوص التي تملأ الصحف كل يوم، التي تدّعي الحداثة شكلا وهي مفرغة من كل شيء، من المشروع الإنساني والفني في آن.

أظن أن النقد ساهم في تفاقم هذه الظاهرة كثيرا، بسبب تعاميه عن أفضل الحالات التي تنتج وتبنيه لكثير من حالات الخواء التي لا يتوقف تدفقها. بمعنى أننا نفتقد المعايير، وحين تُفتَقد المعايير لا تكون إلا الفوضى.

 

(النقد يقف أحيانا خارج وخلف التجديد الفعلي)

 

** : هذا يعني أن النقد العربي في غالبه يكرس التقليدية/ وللتقليدية ويمجدها، عن وعي أو عن غير وعي؟ لكن أليس للمبدع هنا من دور يقوم به، ألا يمكنه أن ينبه للأمر أو يشير إليه ؟

 

** إبراهيم نصر الله : بالتأكيد هناك نقد كبير ناصر الجديد ووقف معه، من يستطيع أن ينسى شجاعة ناقد كبير مثل الدكتور إحسان عباس الذي وقف مع حركة التجديد وناصرها في بداياتها حين كتب عن عبد الوهاب البياتي والشعر الحديث وبعد ذلك عن السياب. كما أن هناك نقاد لا يقلون عنه شجاعة اليوم، ولكنهم قلة في اعتقادي وليسوا تيارا.

ولكن ما أعنيه أن النقد يقف أحيانا خارج وخلف التجديد الفعلي، إذ يحتفي بما استقر ويكتفي بهذا. ما زال هنالك نقاد يتحدثون عن اختلاط الأزمنة وتيار الوعي والسرد غير الأفقي باعتباره فتحا مبينا لهذا الكاتب أو ذاك، ولكن هذه الأمور موجودة منذ أكثر من مئة عام، أي أنها أصبحت كلاسيكية لفرط ما استقرت.

أما عن دور المبدع فهو ذو شقين: الأول هو قدرته على اقتراح كتابة مغايرة فعلا تضيف لهذه الكلاسيكية الجديدة، وهذا الدور إبداعي وتنظيري في آن، لأن النص المختلف حين يوجد يكون اقتراحا نظريا أيضا، أو يحمل هذا الاقتراح في ذاته، أما الشق الثاني فهو في الكتابة حول ذلك من خلال الكتب أو الشهادات أو المقابلات الصحفية، وما إلى ذلك.

  

** : ماذا عن الرواية العربية الآن..كيف تراها، كيف تقرأ ملامحها و دروبها، كيف تجدها؟ هل هي بخير، هل هي بأزمة، وإن كانت بأزمة، برأيك ما سبب هذه الأزمة؟.

 

** إبراهيم نصر الله : هناك عدد مهم من الروائيين العرب، لكنه في ظني عدد محدود، لأن الحالة العربية بحاجة لكثير من الروائيين الجيدين، كما أن هناك أسماء أعطت وبدأت تراوح مكانها أو أنها توقفت، هناك كم هائل من الأعمال الروائية بات ينافس عدد الدواوين الشعرية، وأخشى أن يحدث للرواية ما حدث للشعر، أي الوقوع في وهم الكتابة الروائية، كما حدث وأن وقع العشرات في وهم الكتابة الشعرية.

 

**: أعتقد أن هذا الوهم هو تحصيل حاصل ، صح ؟

 

** إبراهيم نصر الله : أعتقد ذلك. ففي الفترة الأخيرة صدف وأن كنت عضو لجنة تحكيم عربية وأتيح لي أن أقرأ الكثير من الأعمال الروائية، وهالني الأمر فعلا، هناك اجتياح لفن الرواية من قبل أناس باتوا يظنون أن أسهل الطرق للوصول إلى عالم الأدب هو كتابة رواية.

 

** : ماذا عن الشعر، هل أصبحت تستثمره في الروايات فقط، ألا تحن إليه الحنين الخالص ، أم أن الرواية أطبقت عليك من كل الجهات؟

 

** إبراهيم نصر الله : قبل شهرين تقريبا صدرت لي مجموعة شعرية بعنوان (حجرة الناي). المهم أن يرضى الشاعر أولا عما يكتبه، وفي مرحلة زمنية متقدمة في التجربة يصبح الرضا أمرا صعبا، لأن الشاعر يغدو أكثر تطلبا، لأنه يريد أن يقرأ ما يملأ روحه فعلا، سواء كتبه هو أو كتب سواه، بمعنى أنني أكتب ما أنا بحاجة ماسة لقراءته. والأمر نفسه حدث مع روايتي الجديدة (زمن الخيول البيضاء) إذ كنت بحاجة إليها كقارئ لأن أحدا لم يكتب عن تلك الفترة من تاريخ فلسطين، تلك الرواية التي ترد على المقولة الصهيونية المتمثلة في أن (فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض.

 

** : وهل عشت حقا حياتك وأجواءك في (زمن الخيول البيضاء) كما يجب أو كما كنت تحب وتحلم ؟

 

** إبراهيم نصر الله : أن تحضِّر لعمل مدة 22 عاما، يعني أن تصبح جزءا من عالمه تماما، يعني أنك تتعامل مع البشر كما لو أنك تعيش معهم، والمكان، كما لو أنك تعيش فيه، وهذا ما حدث، يعني أن باستطاعتي القول إنني عشت ستين عاما أخرى، هي زمن الرواية الفعلي، ويمكن أن أضيفها إلى عمري دون تردد. ولذا يمكنني الآن أن أكتب عن تلك الفترة من جديد دون شهادات ودون مراجع كما حدث في هذه الرواية، يمكنني أن أكتب الآن بسهولة عن الحياة في يافا أو حيفا كما يمكنني الكتابة عن قرى فلسطينية أخرى تم محوها، وأظن أني سأعود لتلك الأجواء في رواية حبّ، رغم أنّ (زمن الخيول البيضاء) قصة حبّ أيضا، ولكن في إطار الصراع الكبير على فلسطين في ذلك الزمان.

حين تندغم في تلك الحياة تكتب ضمن منطق ذلك الزمان. بل هناك في الرواية مستويان مختلفان، فالقسم الذي يدور في ظلال الحكم التركي غير القسمين الآخرين، إيقاعا ومذاقا.

لكني ذهبت إلى هناك لأعرف أيضا كيف ضاعت فلسطين، ولأعيش ذلك. كنت أعرف، ويعرف الجميع أن فلسطين ضاعت، لكني حين كنت أكتب كنت أحس بأنها ستضيع، وهذا أمر مرعب. أن تعرف بموت البطل مثلا منذ البداية، لكنك كلما اقتربت من النهاية أصابك الفزع لأن كل الشروط التي حوله تقول إنه سيموت. هكذا كتبت الرواية. كما لو أنني لست الراوي العليم!

 

( ما يعنيني. أن أؤثر إنسانيا وفنيا )

 

**: ترجمت أعمالك إلى الكثير من اللغات، آخرها رواية “مجرد 2 فقط” التي ترجمت إلى الإنجليزية والإيطالية وبالألمانية لاحقا، ماذا يعني لك هذا غير قارئ آخر بلغة أخرى ؟

 

** إبراهيم نصر الله : سأتحدث عن (مجرد 2 فقط) فهي العمل الأخير الذي ترجم، رغم أنها النص الثالث روائيا من بين ما كتبت من روايات. هذه الرواية لم أكن أتصور أن تترجم في أي يوم من الأيام، بسبب الصورة الجاهزة التي وضعناها في عقولنا حول غرب لن يقبل لنا أن نتحدث حول القضية الفلسطينية من وجهة نظرنا الخاصة، كما أنها رواية مركبة، أفادت من السينما كثيرا، وفيها مستويات كثيرة: أربعة أزمنة وأربعة أمكنة متقاطعة وأربع مراحل عمرية، كما أن أبطالها الـ 25 بلا أسماء. لكن الرواية نجحت جدا في إيطاليا وكانت الأكثر مبيعا في بعض المدن، وفي زيارتي الأخيرة لإيطاليا بمناسبة تحويلها إلى عمل مسرحي إيطالي، كان هناك تسعة احتفالات لتوقيع الرواية، وكانت كل النسخ تباع. رغم أن الرواية رحيل في الحكاية الفلسطينية من عام 1948 حتى عام 1996، أي ما بعد أوسلو. كان وصول كل هذا للقارئ الإيطالي يعني لي الكثير، يعني أن شعبي موجود وقادر على التأثير.

في إحدى الندوات التي أقيمت حول الرواية تحدثت الصحفية الإيطالية الشهيرة (جوليانا زغرينا) وكانت قد اختطفت في العراق وعانت الكثير، فقالت بعد أن قرأت الرواية بقيت أسبوعين غير قادرة على النوم في غرفة مظلمة، ولأول مرة أحسست أنني لا أستطيع النوم إلا إذا كان الضوء مشتعلا.

هذا ما يعنيني. أن أؤثر إنسانيا وفنيا. وحين قررت منشورات الجامعة الأمريكية أن تكون هذه الرواية ضمن منشوراتها كان ألأمر بالنسبة لي أمرا أكثر من عظيم، لأنني لا أتحدث عن أي رواية، أتحدث عن رواية فلسطينية تطرح الرؤى الفلسطينية وتلقى هذا الترحيب.

 

** :  وكيف ترى مسار الترجمة عندنا في الوطن العربي، هناك من يرى بأن بعض النصوص لا تجد لها صدى أو مناخا جيدا في لغتها الأم لكن حين تترجم تجد صدى أوسع ومناخا أكثر ؟

 

** إبراهيم نصر الله : بشكل عام لم يزل الانتشار محدودا، عربيا وعالميا، لا توجد رواية عربية يمكن أن توزع حين تترجم، مثل رواية لهاروكي موركامي الياباني أو خالد الحسيني الأفغاني الذي يكتب مباشرة بالإنجليزية.

 

** : على ماذا تشتغل الآن ؟

 

** إبراهيم نصر الله : الآن لا أشتغل على أي شيء، ولا أفكر بأي شيء، لأن عملي على (زمن الخيول البيضاء) كان مرهقا للغاية، لا سيما أنها رواية كبيرة يصل حجمها إلى خمسمائة صفحة. الآن أحاول أن أشاهد عددا من الأفلام التي لم أستطع مشاهدتها وقراءة بعض الكتب التي لم أقرأها خلال فترة كتابتها.

 

( الاشتغال على الكتابة يعني أن تعيش الحياة مرتين )

 

** : اشتغالك الكثير على الكتابة والرواية، هل شغلك عن الحياة كما يجب، أم أن الاشتغال على الكتابة هو نفسه الاشتغال على الحياة بشيء من التميز والمغايرة ؟

 

** إبراهيم نصر الله : الاشتغال على الكتابة يعني أن تعيش الحياة مرتين، ولا توجد كتابة خارج الحياة. لقد سئلت مثل هذا السؤال ذات يوم وقلت إن الحياة طويلة أكثر مما نتصور، ويحزنني أنني ما زلت أضيع الكثير من الوقت. لكني أنظر للعمر كالتالي، وربما تستغربين: لقد كتبت الروايات على مدى خمسة وعشرين عاما وكتبت الشعر ثلاثين عاما وكتبت النقد السينمائي خمسة عشر عاما ومارست التصوير عشرين عاما وعملت صحفيا ثمانية عشر عاما ومدرّسا لمدة عامين، ومديرا ثقافيا في دارة الفنون عشرة أعوام، ومتزوج منذ عشرين عاما وأب منذ سبعة عشر عاما وأحببت منذ أن كنت في السابعة من عمري، أي منذ خمسة وأربعين عاما، وعايشت حيوات كثيرة في كتابتي للملهاة الفلسطينية وحدها على مدار مئة وخمسة وعشرين عاما ووو..، لذلك أرى أن عمري هو مجموع هذه السنوات، وليس عمري المسجل في شهادة الميلاد. هكذا أنظر إلى أعمار الناس.

 

** : هل تنتج الرواية الحلم، أم تنتج الواقع؟ أم هي تنتج الحلم والواقع معا؟

 

** إبراهيم نصر الله : الرواية تشتق أحلاما جديدة من الأحلام الموجودة وحيوات واقعية من الواقع المتاح. لأنها تتحرك وتعيش في ما هو موجود مثلنا تماما، ولكنها أيضا مثلنا، نحن واقع وحلم في آن، أو واقع تحقق وآخر لم يتحقق، إنها أقرب ما تكون لفكرة العمر التي تحدثت عنها. أي أنّها يجب أن تكون أكثر اتساعا من نفسها، ومن عدد صفحاتها. وبالتالي فالنص الأدبي يمكن ألا يكون محدودا، لأنه كلما لامس قلب إنسان، توالدت أحلام جديدة وحياة جديدة، سواء حيث كُتب هذا النص أو في أي مكان في العالم يمكن أن يصل إليه. وفي النهاية حين يوجد الحلم يوجد الواقع الجديد. أما الموت، فهو لا يوجد سوى في المناطق التي لا تنبت فيها الأحلام.

 

** : ماذا تقول في الأخير ، لك كل المتسعات لتقول ما تريد؟

 

** إبراهيم نصر الله : أشكرك على هذه الأسئلة التي فتحت أبوابا جديدة لي، نحو داخلي، ومساحات أخرى للتأمل. هو حوار متعوب على أسئلته و أجوبته وقد كنت مرتاحا له و فيه ،دمت مبدعة.

 

** : منتهى فرحتي أنك كنت مرتاحا له وفيه ، شكرا لك أيضا.

 

حـاورته / نـوّارة لـحـرش

——————-

nouarala2@hotmail.com

جريدة النصر الجزائرية في 4 سبتمبر 2007

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : حوارات | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “حوار مع إبراهيم نصر الله”

  1. اخي عبد الرحمن

    اشكرك من كل قلبي على هذا الحوار الذي عرفتنا به ونقلته لنا

    لك مني كل ود واحترام

    دمت بالف خير

  2. الكاتبة المتألقة ريما الشيخ شكراً لك على مجيئك لهذه المدونة التي زينها تعليق بنت الشيخ دمت ذخراً للثقافة والأدب العربي مع خالص الود



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر

أتمنى لكم قضاء وقت طيب صحبة موضوعات متواضعة

عبدالرحمن سلامة

rahmansalama@yahoo.com

salama_only@yahoo.com

salama_only@hotmail.com

هاتف محمول  00218925573437