المكفوفون يعيدون صياغة الحياة للمبصرين
كتبهاعبدالرحمن سلامة ، في 13 يونيو 2008 الساعة: 01:38 ص
المكفوفون يعيدون صياغة الحياة للمبصرين
( اقرأ للكاتب )
تاريخ المقال : 12/6/2008

- تعتريني حالات نفسية متباينة ومتعددة حينما يتجسد أمام ناظري ذات الموضوع الإنساني الذي أصادف عناصره في حياتي اليومية وأسمع عنه من الأصدقاء والمعارف وتنقله إلينا الأحداث الطبيعية.. وعندما أدخل في تفاصله يتكون ككل ظاهرة اجتماعية وإنسانية متغلغلة في جسد المجتمع الذي نعيش فيه، لأن عناصر هذا الموضوع هم من أفراده الذين يوضعون فيه ويشكلون تلك الظاهرة بسلبياتها وإيجابياتها، بعطائها وحاجاتها.
- هذه الفكرة هي التي تشكل المعادلة الأساسية في العطاء والحاجة.. هذه المعادلة التي تقف عقدة صعبة أمام أحبة نعيش معهم ويعيشون بيننا، اصطلح على تسميتهم من حيث العطاء بـ”المكفوفين”.
- فارتباطي بجمعية الكفيف وطيد، أزورهم بين الفينة والفينة، أتجاذب معهم أطراف الحديث، تربطني بهم علاقات روحية خصوصا وأنا صغيرة كانوا سكان الجبيلة مسقط رأسي يعرفونني بـ(العمية) لفقدي البصر فترة من عمري، وهذه معجزة إلهية أن يعود بصري بقدرة الله بعد بلوغي سن الخامسة.. قال تعالي “فإنها تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور”.
- المكفوف إنسان له شخصية متعددة الجوانب،متنوعة الحاجات والرغبات، وقد اتجهت كثير من الدول إلى وضع مناهج وبرامج تدعو كل الأجهزة والمصالح المسخرة لخدمة المواطنين لتنسيق الجهود ولتوثيق التعاون فيما بينها من أجل إشباع وتلبية الحاجات النفسية والاجتماعية والثقافية والتربوية والاقتصادية للمكفوفين.
- فالمُعاق إنسان كسائر البشر، له إحساسه وكيانه وتفكيره، بل وطموح لا يرضى الهزيمة ولا يحب نظرات العطف والشفقة.
- وهكذا اختفت من أفق حياتهم ومجال تفكيرهم الفكرة القديمة القائلة بأن للمكفوفين جهة محددة تتكفل رعايتهم وتوفر الخدمات لهم.
- فلقد شرعت بلادنا في الأخذ بهذا النهج وتنفيذ نفس الأسلوب ؛ فنرى بعض الأمانات المتعددة والأجهزة المختلفة تعمل على تقديم خدماتها بوعيٍ وإدراك لشريحة المعاقين.
- واللهِ إني رأيت البعض منهم يعمل وكأنه سليم، بل أفضل من السليم.. وبالمصادفة مع تواجدي بجمعية الكفيف زارها الأخ أمين اللجنة الاجتماعية للشؤون الاجتماعية بشعبية درنة(الأستاذ سلامة العدلي) والتحقت بنا الأختان : رئيس وحدة اللجنة (الأخت خديجة الساحلي) ورئيس قسم الأنشطة والبرامج الخاصة بالطفولة (الأخت محجوب الشاعري ) لتكتمل الزيارة الاجتماعية للرفع من الروح المعنوية لأعضاء الجمعية كي تضيف لمادتي عبقا آخر بهذا التشريف الأخوي وإليكم تفاصيل الحوارات التي دارت أثناء هذه الزيارة.

- أول الحديث كان للأخ(فرج بوكتيف) أمين جمعية الكفيف، بعد أن رحّب بالأستاذ(سلامة العدلي) قال : ـ نحن نتبع جمعية الكفيف بنغازي والتي تأسست عام 1961 وأنشأت فرع لها في مدينة درنة عام 1980 لتقديم الخدمات المباشرة للمكفوفين في درنة والمناطق.
- نشكو من ضيق المقر وعدم ملاءمته لنشاط الجمعية، حاولنا بشتى الطرق إيجاد مقر بديل ولكن من دون جدوى.
- لدينا قطعة أرض خصصت للفرع منذ سنوات، والجمعية عاجزة عن بناء المقر لمزاولة أنشطة جمعية الكفيف.
- تمكن الفرع من تدريب عدد كبير من المعاقين المكفوفين على استخدام بدالة الهاتف، حيث التحق مجموعة منهم بممارسة أعماله في جهات إدارية بالشعبية.
- من ضمن أنشطة الجمعية صناعة المكانس، فالجمعية تتحمل مصاريف الإقامة والمستلزمات للتصنيع والتدريب حيث تم تدريب أعداد من المكفوفين وأحيلوا للإنتاج المنزلي، رغم ذلك فالإنتاج لا يجد قبولا في السوق ما اضطرنا لنقل إنتاجنا لشعبية بنغازي.
- فالمادة تأتي إلينا خاما، ويعاد تسويقها مصنعة فأدّى ذلك إلى تكدس الإنتاج، وهذه مشكلة أخرى تواجهنا بعد المقر.
- لا توجد مراعاة لظروف المعاقين المكفوفين بالذات.. نأمل إعادة تأهيلهم.
- ثمة مشكلة أخرى ؛ كان لدينا مخزنا عند (عيت الهرام) وقد استرجعه أصحابه، وتحدثنا عن ذلك مع الأستاذ (فتح الله التومي)، أمين الشؤون الاجتماعية آنذاك، وقمنا بمخاطبته رسميا بمنحنا مخزنين بشركة الجبل، أحدهما لتخزين الإنتاج والآخر للتدريب، حتى الآن ننتظر الأمل.. نتمنى يا أستاذ (سلامة) أن تساعدنا ولو بالإيجار.
- أيضا نتمنى تطبيق فكرة بفتح فصل دراسي للأطفال المكفوفين بدلا عن معاناة ذويهم بنقلهم لشعبية بنغازي، علما بأنه لدينا معلمين مؤهلين ومختصين بتدريس المنهج الخاص بالمكفوفين بطريقة (برايل).
- اقترح فتح مركز تأهيلي للمعاقين يتم تسجيل جميع أنواع الإعاقات (كف البصر / الصم والبكم/ إلخ… ليكون مركزا شاملا يقدم الخدمات الصناعية ويصبح مكملا للمصنوعات والإنتاج.
- نطمح إلى تأسيس مركز إنتاجي للصناعات الخيزرانية، حيث تتعاون كل الشرائح من المعاقين من صم ومكفوفين وغيرهم.
- (أستاذ سلامة) نطمح إلى إنتاج فعلي للمعاق، لإخراجه من البطالة المقنعة.
- الأستاذ (محمد الشاعري) أمين رابطة المعاقين بشعبية درنة والمتواجد دائما بجمعية الكفيف، لأنه من هذه الفئة، كان حديثه مفعما بالحيوية والعفوية والتلقائية حيث قال :ـ
- أستاذ (سلامة) مرحبتين بك في جمعية الكفيف.
- أخت (فريحة) أنا من متتبعي إذاعة درنة المحلية ومن المعجبين بنشاطاتك الإعلامية والصحفية وأنت لست غريبة على الجمعية، فأنت من المترددين دائما علينا ومشاكسا بمناداتي (الرقيقة النحيفة الظريفة) حينما أطل عليهم بهذه الكلمات.
- الأستاذ (ميلود العليقي) والأستاذ (فوزي المقصبي) قاما مشكورين بتوفير (نظام الإبصار) عدد (2)، أو ما يعرف بالقراءة السمعية للكفيف، ونحن مسرورون بذلك ومحافظون عليهما لأن تكلفتهما تبلغ (2600 د.ل)
- والكفيف يجد صعوبة في استعمال جهاز الحاسوب بخلاف المبصر، ولذلك يحتاج إلى تدريب على هذا النظام، مع العلم أن هناك دكتور متطوع لهذا التدريب من المعهد العالي للمهن الشاملة.
- خاطبنا جهة من شعبية بنغازي تريد التبرع بنظام (الفريقو) فأبلغناهم أن هذه مرحلة تأتي بعد التدريب، وسنطلب منكم توفيره بعد إتمام التدريب.


- وهنا دخل بنا إلى غرفة مجاورة وفتح بابها ودخلنا، ثم اتجه صوت دولاب بزاويته وأخرج من جيبه مجموعة مفاتيح واختار من بينها مفتاحا فتح به الدولاب فأثارني هذا الأمر فسألته كيف ميزت المفتاح فاكتفى بالابتسام وتركني في حيرة.
- وواصل الحديث عن نظام الإبصار الموجود في (الفلاش) موضحاً لنا كل ما لديه عن الحاسب الآلي بعد تشغيل جهاز الحاسب بنفسه ونحن في حالة ذهول وتبادل النظرات وهتاف نفوسنا بسبحان الله.
- فبالفعل (كل ذي عاهة جبّار) ومازال يداعب لوحة المفاتيح بكتابة عبارة( جمعية الكفيف ترحب بالأخ سلامة سليمان العدلي) فلقد سمعناها منطوقة وشاهدناها مكتوبة كتابة صحيحة.. واستعرض أمامنا محتويات الحاسب بطريقة لفتت أنظارنا وتعجبنا منها، ثم غيّر دفة الحوار محدثا الأستاذ سلامة : فريحة علمناها أساسيات القراءة بطريقة (برايل)، وسوف تراها وهي تجيد ذلك ببراعة وكأنها كفيفة.
- غادرنا غرفة الحاسب متجهين صوب مكتب أمين الجمعية حيث تزين خلفية حائطه خرائط جغرافية لقارات العالم في إطار يتحسسه الكفيف، ولوحة الحروف الأبجدية بطريقة (برايل).
- وقال: الأغلبية يجيدون القراءة والكتابة باللغتين العربية والإنجليزية، وللعلم طريقة(برايل) اخترعها الجيش الفرنسي فانتقلت للمكفوفين.
- توجد مجلة (البصيرة) تحتوي على القرآن الكريم مطبوعا بطريقة اللمس، ويستطيع الكفيف تعلم سرعة القراءة بالممارسة.
- قمنا بجولة في الممر، وكان يشرح لنا باستفاضة عن ذكريات الجمعية والمشاركات المحلية والمهرجانات، ونحن وسط دهشة واستغراب بقدرة الله وعظمته.
- وتجول بنا في بقية أطراف الجمعية إلى أن حط بنا المطاف في غرفة البدالة وقال : ـ هذه البدالة يعمل بها 12 شخصا من الذين فاتتهم سن الدراسة حيث للعمل في بعض الأمانات: (مصرف الوحدة / مصنع الإسمنت / الضمان الاجتماعي / السجل العقاري/ مستشفى الوحدة)، وتمنح لهم شهادات تدريب من الجمعية، وهذه البدالة القديمة (ديكسون) تعمل بنظام قديم، الكفيف يجد صعوبة في التحسس فتصبح يداه قاسيتين ويكون عنيفا في اللمس، فنبدأ في بتدريبه على (دبابة التدريب) لأنها تتحمل، وعندما يتعلم عليها ندربه على البدالة الحديثة، وهذا خط أرضي… يقوم بالاتصال بهاتف (الأستاذ سلامة ) وخرجنا.
- سألناه عن صوت الجرس الذي نسمعه عند دخولنا للمقر فأجاب بأننا في عمارة سكنية، وهذا يعتبر منبها للموظفين بمجيء أحد إلينا، ونحن نطلق عليه اسم (الجرو).
- ووصلنا لمكتب الشؤون الإدارية حيث هبط الأستاذ محمد الدرجات وكأنه مبصر، فمازحته قائلة : هل تستعمل عكازة الكفيف ؟ فأنت تعرف كل أركان الجمعية ركنا ركنا فلم يجب واكتفى بالابتسام وقال : إنني أعد كتابا وأريدك أن تساعديني على تبييضه وطباعته.
- ثم أشار : ذاك جهاز خاص (بالأستاذ صالح) لطباعة الرسائل والأجهزة التي شاهدتموها قبل قليل خاصة بالمكفوفين.
- نحن نعتز بزيارتكم فلها وقع طيب في أنفسنا، وبصدق سعداء بهذه الزيارة.
بعد ذلك تحدث (الأستاذ سلامة العدلي) : ـ الرسالة الموجهة منكم للشؤون الاجتماعية بخصوص توفير مخزنين للجمعية سوف نتابعها بإذن الله..
أقدم لكم كل خدماتي بمد يد المساعدة إليكم في كل ما تحتاجونه، فنحن مكملون لبعضنا البعض.
- بخصوص موضوع (الأستاذ صالح) سأقوم بمخاطبة الكاتب العام باللجنة الشعبية للشؤون الاجتماعية بندبه إليكم.
- إنتاجكم متميز في صناعة المكانس فهي من النوعية الجيدة التي تشتهر بها جمعية الكفيف بدرنة.
- لدينا خطة التحول من (2008 ـ 2013) فمن ضمن المشاريع إنشاء مركز للمعاقين بالكامل تُجرى لكم الدورات وتزاولون أنشطتكم، ولكن المشكلة التي تواجهنا هي عدم وجود قطعة أرض، فلابد من توافر قطعة أرض وشهادة عقارية تخصص للشؤون الاجتماعية ليتحول المشروع لمكتب المشروعات باللجنة الشعبية العامة للشؤون الاجتماعية لتجرى عليها ممارسة لتتولاها إحدى الشركات، يتحقق ذلك لكم بإذن الله.
- موضوع الدورة التدريبية على (نظام الإبصار): سنناقش قضية المدربين، وأعدكم بالسعي في هذا الموضوع وتوفير الإمكانات.
- بخصوص التصور المقدم من الأخ أمين رابطة المعاقين بإنشاء مركز للمعاقين ما بين اللجنة الشعبية للشؤون الاجتماعية واللجنة الشعبية للقوى العاملة حيث أوكل هذا البرنامج لهما وسأوافيكم بذلك.
- وقبل مغادرة الجمعية كانت كلمات (الأستاذ محمد) تدوي في أجواء الجمعية قائلا : (آخر حاجة في الزيارة نبي فريحة تشوف حاجة)، وإذا به يدخل إلى غرفة البدالة، وخرج وفي يده العصا البيضاء فكانت هذه إجابته على تساؤلاتي.

فخرجنا من الجمعية وضحكات (الأستاذ محمد) مدوية خلفنا.
المجتمع يشكل جانباً مهماً في حياة المعاق يكمن في استيعاب المعاق والتعامل معه على أنه إنسان عادي له أحاسيس ومشاعر، وأنه عنصر قادر على العطاء والتفاعل والإبداع.
ولا ننسى العديد من المبدعين الذين قدموا أعظم ما لديهم أثناء معايشتهم للإعاقة ومنهم على سبيل المثال (طه حسين) والموسيقار العالمي(بيتهوفن) وغيرهما كثير من أطباء ومحامين وعلماء وأساتذة جامعات…
هذا كله يدفعنا أن نتجاوز الحواجز الاجتماعية والطبيعية والنفسية التي فرضت عزل وفصل المعاق عن مجتمعه ومنعته من ممارسة حقوقه الاجتماعية والثقافية التي قوبلت إما بالتجاهل أو بالتحامل المجحف داخل فكرة الإعاقة.

فخرجنا من الجمعية وضحكات (الأستاذ محمد) مدوية خلفنا.
المجتمع يشكل جانباً مهماً في حياة المعاق يكمن في استيعاب المعاق والتعامل معه على أنه إنسان عادي له أحاسيس ومشاعر، وأنه عنصر قادر على العطاء والتفاعل والإبداع.
ولا ننسى العديد من المبدعين الذين قدموا أعظم ما لديهم أثناء معايشتهم للإعاقة ومنهم على سبيل المثال (طه حسين) والموسيقار العالمي(بيتهوفن) وغيرهما كثير من أطباء ومحامين وعلماء وأساتذة جامعات…
هذا كله يدفعنا أن نتجاوز الحواجز الاجتماعية والطبيعية والنفسية التي فرضت عزل وفصل المعاق عن مجتمعه ومنعته من ممارسة حقوقه الاجتماعية والثقافية التي قوبلت إما بالتجاهل أو بالتحامل المجحف داخل فكرة الإعاقة.
وسيتم بإذن الله عن طريق الشؤون الاجتماعية البحث عن حالات إعاقة محجوبة عن النور سهْواً أو عن عمد، خاصة في الأرياف ومحاولة دمجها في المجتمع والمؤسسات الاجتماعية بتوعية المجتمع بوجود الأشخاص المعاقين وحقوقهم وحاجاتهم وكذلك بقدراتهم وضرورة احترامهم بشكل كامل من سائر أفراد المجتمع.
فمن يأخذ بيد المعاق ويساعده على دروب الحياة الصعبة ؟ من يدعمهم ؟ وهم يحتاجون دعمنا ووقوفنا إلى جانبهم لنساندهم في مختلف الأوقات في ظروف الحياة الصعبة.
ختاماً……
سائلة الله العلي القدير أن يبارك كل جهد مخلص وكل عمل مثمر يسخر من أجل المكفوفين وإتاحة الظروف المناسبة لهم لتحقيق ذواتهم وإثبات وجودهم واعتمادهم على أنفسهم والعيش في عزة وكرامة.
————————————————-
* رئيس وحدة التوعية والتثقيف الاجتماعي بالشؤون الاجتماعية / درنة.
* إذاعية بإذاعة درنة المحلية.
* صحفية بعدة مواقع الكترونية.
*و مراسلة صحفية لبعض الصحف والمجلات المحلية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : متابعات | السمات:متابعات
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























يونيو 17th, 2008 at 17 يونيو 2008 8:21 م
أشكرك ياأرحومة علي مدونتك وأختيارك مقالي لمدونتك وربي يحفظك..فرح