أي كاتب ومفكر حر يعطى الحرية في أن يكتب لا يستطيع أن يحرر الأخرين في ظل أمية فكرية وعدم إقبال على االقراءة وفي ظل أمية ثقافية أيضاً


  هذا الموقع فضاء رحب يتسع لكل الإبداع

نحاول من خلاله المساهمة في إثراء المشهد الثقافي والإعلامي على شبكة المعلومات ‘ وأنا أقدم جزيل شكري لكل من تكرم وزار هذا الموقع

الكاتب الصحفي والإعلامي الليبي : عبدالرحمن سلامة

قصة قصيرة بعنوان : من أين تؤكل الكتف ؟ بقلم عبدالرحمن سلامة

كتبهاعبدالرحمن سلامة ، في 13 يونيو 2008 الساعة: 01:32 ص

كان يحدث نفسه قائلاً : ــ الجميع يقولون بأنني لست من أهل البادية وإنني ( إحضري ) لا أذهب إلى المناسبات ولا أحرص على الزيارات إلا بدعوة .. حتى الرحلات التي يخطط لها زملائي في العمل أكون آخر من يعلمها ، لأن الفكرة التي أخذت على بأنني لست اجتماعياً

سادت بين الجميع .. كان جالساً في المصلحة التي يعمل بها يفكر في هذا الأمر كلما شرد ذهنه بعيداً عن مشاكل العمل ، فجأة قطع صمته أحد الزملاء قائلاً : محمد زميلنا طلب أجازة لوفاة أمه مساء أمس ونحن يجب أن نذهب اليوم لنقدم له التعازي فنحن زملائه يجب أن نقف بجانبه … الكل أبدى موافقته ، غير أن صاحبنا شرد ثانية : ــ الجميع أرادوا الذهاب إلى زميلنا محمد ، لما لا أذهب معهم ، لما هم دائماً يقومون ( بالواجب) ، مالذي يجبرني على المكوث ، لماذا أتخلف عن الركب دائماً ؟ .. وبعد مضي أيام قضاها هذا الرجل في صراع مع نفسه يعاني بين مد مشاركة أصحابه وجزر إنطوائية جبل عليها ورضعها في حليب مجتمعه ( الحضري) والذي جعله يشعر بالغربة ، صراع في بحر من الأفكار كاد يحطم سفينة طباعه المتضاربة وأخيراً استطاع ذاك المد أن يجعله يتخذ قراراً هو الأول من نوعه ، قرر أن يذهب مع زملائه إلى صديقهم محمد ، حدثهم بهذا الأمر ، تفاجأ الجميع ولكنهم صعقوا عندما قال لهم وبالحرف الواحد : علينا أن نشتري خروفا ونأخذه لهم . لم يصدق الجميع ، تهامس الأصدقاء من حوله ما الذي غيره ، ولكن لم يترك لهم المجال ليتحدثوا عنه فقد طلب منهم على الفور أن يقوموا بجمع ثمن الخروف ، وكان على كل واحد دفع ثلاثين ديناراً ، وفي اليوم الثاني ذهبوا جميعاً الى منزل محمد ، وكان صاحبنا أول الحاضرين ، دخل ( المربوعة) في ساعة مبكرة يرتدي ثوباً فضفاضاً بعد أن إعتذر لزوجته عن تناول الفطور حتى يتسنى له تناول (غداء) ساهم في إقامته ، جلس في تلك المربوعة والإبتسامة تملأ محياه ، فالمكان خالٍ تماماً والوقت يذهب رويدا رويداً ، وبعد فترة وأخرى يدخل رجال لم يرهم من قبل ، تلاشت تلك الابتسامة وتقطب حاجباه ، أناس يدخلون تلك المربوعة فرادى وجماعات ، ينظر إليهم بكل اشمئزاز، هذا الرجل لم يره من قبل وذاك يعرفه لكنه لم يشترك معهم في ثمن الخروف ، تغيرت ملامح وجهه وأصبح يحدث نفسه مؤنباً : ــ ما الذي ورطني في هذا العمل ، آه لو أتيت بمفردي ووفرت هذه النقود واشتريت بها لحماً لأولادي لأكلنا منه أياماً وأيام ، فنحن ندفع وغيرنا يأتي ويأكل فليس من عادتنا أن نشتري الخرفان بمئات الدينارات ونوزعها لمجرد موت أحدهم ، ما الذي أتى بي إلى هذا المكان؟ .أصبح ينظر في زوايا المربوعة والتي ملئت عن بكرة أبيها وقال في نفسه : ــ هل أنهض وأعتذر لهم وأذهب ، وفي اليوم التالي استرجع نقودي ولكنه يعلم جيداً إنها فكره سخيفة قد تجعله إضحوكة بين زملائه وقد يؤرخ لتلك الفعلة ، وعاد من جديد للتلفظ بألفاظ الندم ، لم يكترث بالرد على أصحابه الذين يسألونه عن أولاده والأسرة وأعماله الأخرى ، يكتفي فقط بالتحديق في الوجوه قائلاً في نفسه : ــ أي اولاد وأنا اهدر ثلاثين ديناراً مرة واحدة ، هناك من الحضور لايعرفونه يعتقدون أنه متألم لموت أم صديقه وزميله في العمل ، يحدق فيهم ويبكي في نفسه : ــ والله من يستحق التعزية هو أنا ، فقدت ثلاثين دينارا وانتم تتحدثون ولايهمكم الأمر، افكار وهواجس مؤلمة في نفسه ثم قطع حبل أفكاره احد الشباب أصحاب المنزل قائلاً بصوت عالي : ــ
اربعة اربعة فخفق قلبه وعرف انها اللحظة الحاسمة فوجبة الغذاء على مشارف تلك المربوعة ، تربع صاحبنا وقابله رجل يعرف انه مدير احد المصارف بالبلدة وعن يمينه احد الزملاء الذين لم يشارك في دفع ثمن الخروف وعن يساره رجل ملابسه رثه نحيف يبدو أن الفقر قد نال منه ، جلسوا متقابلين ووضعوا أمامهم تلك الوجبة ( صونية رز) فوقها أربع قطع من اللحم فتقطع قلب صاحبنا ، فقد تذكر الثلاثين ديناراً ، اربع قطع ثلاثة منها صغيرة وواحدة قطعة ( كتف) أخذ يحدق في قطعة الكتف تلك ومنى نفسه بها وقال : ــ هذه القطعة ربما هي خيرعزاء في نقودي التي ضيعتها في ثمن هذا الخروف اللعين ، بدأ الجميع في أكل الرز وبدأ هو في صراع نفسي وأفكاره كادت أن تعصف به ، و كادت نظراته تلتهم قطعة الكتف التي لا يعلم ما هو مصيرها فتارة يقول سآكل الرز من تحت قطعة الكتف حتى تسقط أمامي وعندها لن يتردد الجميع في إعطائها لي وأحيانا اخرى يقول لا سوف أدعوهم لتوزيع اللحم فيستحون ويعطوها لي ثم قال :ــ واذا لم يستحوا وكانت تلك (الكتف ) عند أحدهم عندها ستخرج روحي فهذا زميلنا فقير الحال كثير الأولاد وأنا أعرف انه اخذ (سلفة) من المصرف تقسم ظهره ولايأكل اللحم الا في عيد الأضحى وذاك الرجل يبدو عليه الفقر المتقع ربما انقض عليها وقد تكون هذه القطعة هي الأولى التي يأكلها في حياته ويبدو أيضاً انه ممن يحضرون المناسبات لأكل اللحم دون دعوة أما الرجل الذي يقابله فهو مدير أحد المصارف حالته المادية جيدة ، واللحم ربما كرهه فهو حتما يأكل اللحم وجبتين في اليوم ، يقول في نفسه ماذا افعل ؟ هل انهض وأصلي ركعتين وأدعو فيها الله أن يجعل تلك الكتف من نصيبي ، يارب ماذا افعل .. صراع مرير في نفسه .. يتصبب عرقاً ويتحرك في مكان كأنه جالس على جمر، ماذا افعل وأخيرا قرر أن يضع تلك القطعة الكتف امام مدير المصرف عله يرفضها فيأخذها هو وبالفعل قرر ذلك ودفع بتلك القطعة امامه لكن مدير المصرف رفضها واقسم لصاحبنا أن يأكلها وعندها تنفس الصعداء وهدأت نفسه وانقض على تلك القطعة علها تشفي غليله واغرورقت عيناه محدثاً نفسه : ــ
ــ( لن اكررها مرة أخرى فأنا احضري ولست بدوي )ــ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : سرد | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “قصة قصيرة بعنوان : من أين تؤكل الكتف ؟ بقلم عبدالرحمن سلامة”

  1. سلام سيدي الفاضل ..

    شكرا على هذه القصص الرائعة ودمت لنا ..

    ملحوظة : لو كان اسم القصة غير هذا افضل ( رأي ليس إلا ) ..

    تحياتي ..



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر

أتمنى لكم قضاء وقت طيب صحبة موضوعات متواضعة

عبدالرحمن سلامة

rahmansalama@yahoo.com

salama_only@yahoo.com

salama_only@hotmail.com

هاتف محمول  00218925573437